عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

168

اللباب في علوم الكتاب

وأيضا قد ثبت في العقليّات أنّ الأجسام متماثلة ، فاختصاص الكوكب المعين والبرج المعيّن بالطّبيعة التي اقتضت ذلك الأثر ، لا بد وأن تكون بتخصيص الفاعل المختار ، فثبت بهذا البرهان العقليّ أنّ محرك الرّياح هو اللّه - سبحانه وتعالى - وأيضا فقوله تعالى : « نشرا » أي منشّرة متفرقة ، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة ، وجزء آخر يذهب يسرة ، وكذا سائر أجزاء الرّياح ، كلّ واحد منها يذهب إلى جانب آخر ، ولا شكّ أنّ طبيعة الهواء طبيعة واحدة ، ونسبة الأفلاك والأنجم والطّبائع إلى كلّ واحد من الأجزاء التي لا تتجزّأ من تلك الريح نسبة واحدة ، فاختصاص بعض أجزاء الرّيح بالذّهاب يمنة ، والجزء الآخر بالذّهاب يسرة يجب أن يكون ذلك بتخصيص الفاعل المختار « 1 » . قوله : « بين » : ظرف ل « يرسل » ، أو للبشارة فيمن قرأه كذلك . وقوله : بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي بين يدي المطر الذي هو رحمته ، وحسن هذا المجاز أنّ اليدين تستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز ؛ يقال إن الفتن تحدث بين يدي السّاعة يريدون قبلها ، وذلك لأنّ يدي الإنسان متقدّمانه ، فكل ما يتقدّم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين مجازا لهذه المشابهة ، كما تقول لمن أحسن إليك وتقدّم إحسانه : له عندي أياد ، ولما كانت الرّياح تتقدّم المطر عبّر عنه بهذا اللفظ . فإن قيل : قد نجد المطر لا يتقدّمه رياح ، فنقول : ليس في الآية أنّ هذا التّقدّم حاصل في كلّ الأحوال ، وأيضا يجوز أن تتقدّمه هذه الرّياح وإن كنّا لا نعرفها . قوله : « حتّى إذا أقلت » غاية لقوله : « يرسل » ، وأقلّت أي حملت من أقللت كذا أي : حملته بسهولة . قال صاحب « الكشّاف » : واشتقاق الإقلال من القلّة ، فإن من يرفع شيئا فإنّه يرى ما يرفعه قليلا ، يقال : أقلّه أي حمله بسهولة ، والقلّة بضمّ القاف هو الظّرف المعروف وقلال هجر كذلك ؛ لأنّ البعير يقلّها أي يحملها . وتقدّم تفسير « 2 » « السّحاب » ، وأنّه يذكّر ويؤنّث ، ولذلك عاد الضّمير عليه مذكّرا في قوله : « سقناه » . ولو حمل على المعنى كما حمل قوله « ثقالا » فجمع لقال : « سقناها » . و « لبلد » جعل الزّمخشريّ « اللّام » للعلّة ، أي : لأجل . وقال أبو حيّان « 3 » : فرق بين قولك : سقت له مالا ، وسقت لأجله مالا ، بأنّ سقت له أوصلت إليه ، وأبلغته إيّاه ، بخلاف سقته لأجله ، فإنّه لا يلزم منه إلّا إيصاله له ، فقد يسوق المال لغيري لأجلي ، وهو واضح . وقيل : هذه اللام بمعنى « إلى » ، يقال : هديته للدّين ، أو إلى الدّين . وتقدّم الخلاف

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 114 . ( 2 ) ينظر تفسير الآية ( 164 ) من سورة البقرة . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 321 .